السيد عباس علي الموسوي

293

شرح نهج البلاغة

الشرح ( فاحذروا عباد اللّه عدو اللّه أن يعديكم بدائه وأن يستفزكم بندائه وأن يجلب عليكم بخيله ورجله ) بعد أن ذكر إبليس ومرض التكبر الذي وقع فيه وكان بسببه طرده ولعنه حذّرنا ونبهنا بصيغة الأمر أن نجتنب هذا العدو الذي لم يطع أمر اللّه ولم ينفذ مراده ، أن نتنبهّ فلا يسري مرضه الذي هو الكبر إلينا فيغوينا ويضلنا ونكون وإياه في جملة من غضب اللّه عليهم . وكذلك حذّرنا من الاستجابة لوسوسته وإغرائه وكثرة أعوانه الذين استنفرهم وصاح بهم وجمعهم ما بين راكب وماش في سبيل إضلالنا والانحراف بنا . ( فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد وأغرق إليكم بالنزع الشديد ورماكم من مكان قريب فقال : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قذفا بغيب بعيد ورجما بظن غير مصيب ) أقسم أنه قد هيأ نفسه واستعد لإغوائكم وجعل الوعيد الذي قال : رب بما أغويتني لأزينن لهم . . . كالسهم القاتل الذي إذا أصاب قتل وكذلك وسوسته وإغواؤه . كما أنه أغرق إليكم بالنزع الشديد أي استوفى مد القوس وبالغ في ذلك ليكون مرماه أبعد ووقع سهامه أشد فهو قد استفرغ جهده ولم يترك حيلة مبرمجة وبأحسن إخراج إلا وقد أخرجها للناس . . . وبعد كل هذا الاستعداد والإعداد والتهيؤ كان الرمي لهذا الإنسان من مكان قريب حتى تتحقق الإصابة ولذا قال النبي : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق . . . » . ثم استشهد بما ينقله اللّه حكاية عن الشيطان أنه قال : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فلأنه ضل أراد أن يكون الناس كلهم معه في الضلال ولذا يسعى بكل ما يملك من وسائل من أجل أن يصل إلى هذا الهدف . . . إنه قال هذا القول دون مستند له أو تحقيق أو يكون على قواعد الكلام وشرعته بل من باب رمي الكلام المحبوب لصاحبه ولكنه رمي أصاب به الواقع فأضل كثيرا من الناس . . . ( صدقّه به أبناء الحمية وأخوان العصبية وفرسان الكبر والجاهلية ) الشيطان رمى الكلام الذي يتمناه وقال : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وهذا الكلام منه نجح في بعض مصاديقه حيث تبادر أبناء الحمية وأخوان العصبية